الشيخ الطبرسي

76

تفسير مجمع البيان

سبحانه مهددا للعصاة : ( وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ) يعني أنه عالم بإخلاص المخلص ، ونفاق المنافق فإن شئتم فأظهروا القول ، وإن شئتم فأبطنوه فإنه عليم بضمائر القلوب ، ومن علم إضمار القلب علم إسرار القول . قال ابن عباس : كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيخبره به جبرئيل . فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم لكيلا يسمع آل محمد فنزلت الآية . ( ألا يعلم من خلق ) قيل في معناه وجوه أحدها : ألا يعلم ما في الصدور من خلق الصدور وثانيها : ألا يعلم سر العبد من خلقه أي : من خلق العبد فعلى الوجهين يكون من خلق بمعنى الخالق وثالثها : أن يكون من خلق بمعنى المخلوق والمعنى ألا يعلم الله مخلوقه ( وهو اللطيف ) أي العالم بما لطف ودق . وقيل : اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بألطف التدبير ، واللطيف التدبير من يدبر تدبيرا نافذا لا يجفو عن شئ يدبره به . وقيل : اللطيف من كان فعله في اللطف بحيث لا يهتدي إليه غيره . وهو فعيل بمعنى فاعل كالقدير والعليم . وقيل : هو بمعنى الملطف كالبديع بمعنى المبدع . وقيل : اللطيف الذي يكلف اليسير ، ويعطي الكثير . ( الخبير ) العالم بالعباد وأعمالهم . ثم عدد سبحانه أنواع نعمه ممتنا على عباده بذلك ، فقال : ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ) أي سهلة ساكنة مسخرة تعملون فيها ما تشتهون . وقيل ذلولا : لم يجعلها بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظ . وقيل ذلولا : موطأة للتصرف فيها والمسير عليها ، ويمكنكم زراعتها ( فامشوا في مناكبها ) أي : في طرقها وفجاجها ، عن مجاهد . وقيل : في جبالها لأن منكب كل شئ أعلاه ، عن ابن عباس وقتادة . ثم إن كان هذا أمر ترغيب فالمراد فامشوا في طاعة الله ، وإن كان للإباحة فقد أباح المشي فيها لطلب المنافع في التجارات . ( وكلوا من رزقه ) أي كلوا مما أنبت الله في الأرض والجبال ، من الزروع والأشجار حلالا ( وإليه النشور ) أي وإلى حكمه المرجع في القيامة . وقيل : معناه وإليه الإحياء للمحاسبة ، فهو مالك النشور ، والقادر عليه ، عن الجبائي . ثم هدد سبحانه الكفار زاجرا لهم ، عن ارتكاب معصيته ، والجحود لربوبيته فقال : ( أأمنتم من في السماء ) أي أمنتم عذاب من في السماء سلطانه وأمره ونهيه وتدبيره ، لا بد أن يكون هذا معناه ، لاستحالة أن يكون الله ، جل جلاله ، في مكان أو في جهة . وقيل : يعني بقوله ( من في السماء ) الملك الموكل بعذاب العصاة ( أن